Blog

من قاسم؟!~

من قاسم؟!~

” أقول لك، لا أعرف شاباً يدعى قاسم…لقد أتيت إلى العنوان الخاطىء عزيزي”

سيد محسن، أنا على يقين بأنه العنوان الصحيح! أنا مرتضى، ألا تتذكرني؟!

“من مرتضى؟، لقد سبق وأخبرتك، فاطمة، تعالي وأنظري من في الباب”

“ما الذي يجري هنا، مرتضى!! كيف حالك… تفضل بالدخول..

“فاطمة، لم ينفك هذا الشاب يخبرني بأن قاسم قد استشهد!! وقد رحت أكرر له أنه لا يوجد أي قاسم هنا.

استشهد قاسم؟!! مرتضى أرجوك أخبرني أن ما تقوله ليس مؤكّداً”…

لقد كان مرتضى من الرفاق المقرّبين لأخي قاسم…

 ولبرهة واحدة، توقف الكون… صورة قاسم في عامه الخامس تبادرت إلى ذهني، الكل يتحملق حوله، كنت أراه يدور في كل أنحاء المنزل ، يجول به والدي بين الجموع وكأنه كان يباهي به ويقول “أنظروا، أنظروا إلى ولدي قاسم، وحيدي.”

“فاطمة، من قاسم؟!

:لم أجبه، كل ما كنت أفكر به

 أمام ناظري طفلٌ صغير، هذا ما كنت أراه.. ووددتُ أن أصرخَ بملء حنجرتي: ” استيقظ يا أبي، أرجوكَ أن تستيقظ…لم أعُد أستطيعُ التَّحمُل، هل يمكنكَ أن تمسكَ بيدي اليوم؟ فقط اليوم، وأعدكَ أنني لن أبكي، على الأقل ليس أمام المهنَئين بل سأتَّخذُ الليلَ سِتاراً لدموعي، سأحَضِّرُ لك الشَّاي ولكَ مني أن أتَّقِنَه ُهذه المَرَّة، وسيكون حتماً كقطعةٍ من الجَّنة، تماماً كما كانت تحضِّرُه أمي. استيقظ!

في اليوم التالي، توافد الجموع للتهنئة باستشهاد قاسم ، وكنت قد أصررت على أن أبقى بجانب والدي، ” عليك بوضع الشارة الصفراء حول عنقك يا أبي، أرجوك لا تنزعها.” قلت له.

أحدهم تقدّم وطبع قبلة على جبينه، وأخبره أن قاسم كان من خيرة الشباب وأنه قد سطر أروع البطولات ، ومن ثم تبعه عدد من رفاق الجهاد الذين آلوا إلا أن يسلّموا على والدي.

على مدى أسبوع بأكمله، كنت أسمع والدي وهو يتمتم اسم أخي قاسم أثناء نومه!! وعندما كنت أسأله عن الأمر في اليوم التالي…كان يجيب، مجدداً: “من قاسم؟!

“كيف وجدت الشاي يا أبي؟!”…سألته وكالعادة كنت أنتظر منه أن يبدي امتعاضه او أن يخبرني عن مدى ردائته وأنه لا يمت بأي صلة لقطعة الجنة التي تعدها والدتي وأقصد بها كوب الشاي..

“لا بأس به”…ردَّ قائلا”

“حسناً إذن، سأكون في الخارج

” استشهد قاسم أليس كذلك؟”…سأل بينما كنت أهمِّ بمغادرة الغرفة.

“أبي لقد تذكرت؛ ولكن كيف…

” لقد أبصرته في منامي، كم مضى على استشهاده؟!”

” ما يقارب الأسبوع…لقد حاولت أن أخبرك بشتى “الطرق

“خذيني إلى ضريحه”…

لا مجال للمماطلة…كان علي الإسراع واصطحابه إلى روضة الشهداء قبل أن ينسى الموضوع برمته…

لم يتطلب الأمر وقتاً طويلاً، لقد نسي والدي أخي قاسم قبل أن نقترب من محاذاة الضريح….

ربما هناك، في مكانٍ ما، لا يزال أخي قاسم يقبع في ذاكرة والدي، يشقّ طريقه بين الجموع مباشرة إلى حضنه. وسأراه هناك كما رأيته دائماً، يجول في أنحاء المنزل على كتف والدي، ليباهي به الكون بأكمله…

Advertisements

الرسالة الثانية

الرسالة الثانية –  الجمعة الأخيرة

الجمعة 23 من شهر حزيران 2017

رمضان 27 الموافق 1438 للهجرة

الناسُ نيامٌ يا صاحبي…

أما أنا فقد اعتراني الشَّوق للإطمئنان عن حالك وقد آليتُ إلا أن أتحدى النُّعاس الذي ألَمَّ بي..

لا تقلق!! لقد جئتك وحدي، على الأقل هذا ما أرجوه.

حملت باليد الأولى قنديلاً، أما الثانية  فقد افترشت على زندها مصلاةً وبعض الكتب التي ما اتسعت في راحتي.. ولأن الليلَ قد بدأ بالاضمحلال رويداً، خفت أن أفقِد توفيقي للأنس بك.

ساعةٌ على الجمعةِ الأخيرة، وها أنا في طريقي إليك، الوصول إلى حضرتك سفرٌ متعب، متعبٌ جداً أؤكّد لك، ولكنه لذيذٌ حتماً.

النار تلهبُ قلبي، يبدو أنني لست الوحيد الذي يتوقُ إلى وصلك في هذا الليل!! القناديلُ مشتعلة، الأصوات تملؤ الساحات، وصوتي لا يملؤ فضاء رحمتك!!

يؤلمني أنني قد تأخرت في الوصول إليك، يا سيدي أنا قد أخرتني بعدُ المسافة التي أحدثتها ذنوبي وخطاياي..ولكن أليس الراحل إليك قريب المسافة؟! فحريٌّ بالألم الذي في قلبي أن يختصر المسافة التي ….بيننا

سيدي، الشهر شهرك، والقضاء قضاءك، إقبلني ولا ~تخيب آمال عبدٍ طرقَ باب رحمتك يا كريم

حُلمُ أيَّار

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

وَقَفَت كعَادَتِها تمعِنُ النَّظَر إلى شمسِ أيّارَ الَتي استَقرَّت في سماءِ البلدَة.

 –  ذلكَ الحُلُم! تُرى ماذا يَعني؟! فَكَّرت في نفسِها..

هل تخبرُ الحاجَة فاطِمة؟ لمَ لا وهي التي درسَت سنوات في الحوزة العلميَّة،لذا فهي الأقدَر على مساعدَتها. لن تنتَظر ،ستذهب إليها الأَن.

–  هيّا يا “ليلى” قولي لي،مَا الذي حلُمتِه؟!

– حلُمتُ أني مستَلقيةً في بحيرةٍ صغيرةٍ،عذبة الميَاه،نقيَة،ومن ثمّ أخذَت المياه بالجَرَيان،إلاّ أنني لم أتحَرّك من مكاني! والوَرد…كانت السّماء تُمطر وَرداً يا حاجّة. ما الذي يعنيه ذلك يا تُرى؟

– إسمعي يا ابنتي…البُحيرة ونقَاوَتها هي دليلُ طُهرِكِ يا عزيزتي،أمّا جريان المياه وواقعُ أنك لم تتحركي،فدليلٌ على ثباتُك في هذه الدّنيا،وأما الورد فهي بادرةُ خيرٍ إن شاء الله.

في طريقِ العودة،كانت البَلدة تعجُّ بالأهالي ،الراياتُ الصّفراء كانت قد مَلأت الطُّرقات،وصَدى صوت الزّغردات كان يصدَحُ في كلّ مكان.

– سيّدي ما الّذي يَحصُل؟! سألت أحدَ المارّين باستِغرَاب.

– إفرَحي يا ابنتي،لقد انسَحب العدوّ منَ البلدة.

أحقّاً ما سمِعَته؟! العدو الصَّهيوني قد انسَحب؟

أسرَعت إلى المنزل،فتَحت التّلفاز وكانت المفَاجَأة! فرَّ العدُوّ الصهيوني من بلدةِ “خيَام” الجنوبيّة…ويتمُّ الأن إطلاق سرَاح المعتَقلين الأَسرى في مُعتَقل الخيام. أجواءٌ مشحُونَة..وحلمٌ يكادُ يكونُ خيَال!

“هوَ”…فكَّرت..إنتَظَرَتُه طويلاً،تُرى هل سيكون من النّاجين المحَرَّرين؟

لقد مَضى أكثر من 15 عاماً منذُ وقعَ في أسرِ العدو الإسرائيلي، بينما كان يُنفِّذ إحدى العمليَات التي كُلِّفَ بها.

كانت أخبَارُه تصلها بينَ الحينِ والأخر،تطمَئنُّ على صِحَّتِه،ولكن سُرعَان ما انقطَعت تلكَ الأخبار عنها. إلاّ أنها لم تفقِد الأمَل برجوعِه يوماً.

ذهبت إلى منزلِ والديه علَّها تعرفُ عنهُ شيئاً،فكان الأمر.

وسطَ الزّغاريد والهُتافات،وتحتَ وابلٍ من الأرُّز والوردِ الأحمر شقَّت طريقها بينَ الجُموع الغَفيرة.

ها هوَ هناك! أحسَّت وكأنَ روحَها قد لامَسَتِ السِّماء.ها هوَ بضِحكته المعهودَة،كما تعوّدت عليه دائماً.يقبّل والدَته ويحتَضِنُ أبَاه،يلتفِتُ يميناً وشِمالاً…”هي” تعرفُ عمَّن يبحَث..عنها.

–  “ليلى” إبنتي،إقتربي وسلّمي على خطيبك،نادَتها والدته.

رفَعَ رأسَهُ محيّياً إيَاها.

ما بِها لا تقتَرب؟! وهيَ الّتي انتَظَرته طويلاً دونَ مللٍ أو كلل،تحسبُ الأيّام،تسترقُ النَّظرَ من نافذةِ الغرفة علَّها تلمحُ طيفَه يمرُّ بها.

“هوَ” يعرفُ أنها لن تجرؤ على الإقتراب. لا يَزال يذكُر كيَف كانت تلك البَسمة الخَجولة والوجه الملائِكي يُبقيَانه متيَقّظاً من خلفِ القُضبان.

تقدّم خُطوة، فقابَلته بمِثلها…حتّى التَقيا.لامَس وجنَتها وهمَس لها: – أُفتّشُ عنكِ في الوجوهِ الغريبَة!

إبتسَمت،إحتَضَنتهُ…فكانَ حلُمَها،حُلمُ أيّار قد تحَقّق.

كل عامٍ وأنتم بخير~

بَائِعُ الأحلام~

~ بَائِعُ الأحلام~
لطالما ارتدتُ ذلك المكان ولكن قلّما كنت أمعن النظر في وجوه المارَّة….كان خريف العام 2016 وكالعادة كنت أنتظر دوري لأستلم كوب الشاي المعتق برائحة الزعفران، إلى أن وقع نظري في صباح ذلك اليوم، على رجل كان يحمل على ظهره كيسا” من القماش قد أدرج فيه قصاصات من الورق…كان يجول شوارع المدينة، يستوقف المارة ويسهب بالحديث معهم إلى أن ينتهي الأمر بأن يبيعهم الورقة الواحدة لقاءَ مبلغٍ زهيد…زهيد جداً

!والغريب في الأمر أن المارة كانوا يرحّبون بالفكرة.

حسناً، في البداية، كانت تبدو علامات التَّعجب واضحة على محياهم…لتنتقل بعدها الى تقطيب للحاجبين..الحيرة في الأمر ومن ثم يسحب المشتري ورقة من قعر الكيس…لتنفرج أساريره إلى اللامحدود.
أخذت أراقب المشهد ذاته يتكرر مرات عدة..الأمر نفسه ولكن يختلف المشتري..

لقد تملكني الفضول وكان لا بد من الإستفسار..
“هل لي أن أسأل ما الذي يوجد في كيس القماش يا سيدي؟”

” .لك أن تسأل، ولكن أقترح أن تمد يدك وتسحب.” ردَّ قائلاً

 كل ذرة في جسدي كانت تتحرّك ناحية الكيس، فما كان مني إلا أن سحبت إحدى الأوراق.

عندما فتحتها قرأت الآتي:

” أُراهِنُ أنكَ كنتَ تتوقُ شوقاً لمعرفةِ ماذا كُتِبَ في الورقة، أنظُر حولَك، العالم كُلُّه بينَ يديك ويمكنُكَ أن تحقَِقَ الكثير.. لكن الطريق طويل حتماً ومحفوفٌ بالمخاطر،  لذا إسمح لي أن أبيعَك الوقت، وطبعاً ستحتاجُ للصَّحةِ والعُمُرَ المَديد لتُكمِلَ الطَّريق، ولا شَكَّ أنكَ تحتاجُ للمال، لذا دَعني أبيعُكَ بعضاً مِنه…وأخيراً سأهَبُ لك الحُبّ، بعضاً من الحُبِّ لن يضر…

 ها أنتَ جاهِزٌ للطَّريقِ يا عزيزي، ولكن مهلاً هل أنتَ واثقٌ أنَّ لديك كلَّ ما يلزم؟! ماذا عن السَّعادة؟ هل لديكَ بعضاً مِنها؟

…لا! هل أنتَ متأكِّد؟  أنظُر عن كثب أعتقدُ أنَّ ملامِحَ وجهَكَ كفيلةً بأن تُجيبَ عَن سؤالي”

عندما أغلقت الورقة، كان حالي كحال المارة الذين استوقفهم بائع الأحلام هذا، لقد وهبني بائع الأحلام ما كنت أمضي عمري في تخيله ورسمه على واجهة ذلك المقهى في صباح كل يوم . رفعت رأسي، وكان البائع السبعيني قد ذهب في طريقه مُثقَلَ الخُطى

لقد عرفت بعد ذلك أنه اتخذ سبيلاً إلى (ناحية القدس) وقد زادت سعة الكيس هذه المرة !!

الرسالة الأولى

الجمعة 7 من شهر نيسان  2017

سيدي أنا لا أعرف ذلك العشق…عرفني به!!
لقد ذقت حلاوة محبتك التي تكلم عنها الإمام زين العابدين (ع) في مناجاته..فكانت كالعسل المصفَّى بل ألذ…فعرفتها وحضنتها…وقرأت البلاغة في كتاب الأمير حتى لمست نور الحكمة التي أودعتها أنت في حروف علي…وطفتُ أعماق روحي حتى رسيتُ على شاطئ عشقك
ومؤخرا” حاولتُ أن أمد يدي الى أعنانِ السماء لأغرف من مناهل رحمتك الواسعة..ولكن عبثا”..دون جدوى..
لقد أضحى حالي كحال أصحاب الأعراف الذين يقفون في منتصف الطريق..
لا يستطيعون الاقتراب خطوة واحدة من الحبيب..لماذا؟!
َّأوهل سُمّي أهل الأعراف لأنهم لا يعرفون؟ أعذرني سيدي..أو ربما لأنهم..فيما مضى..عرفوا ذلك العشق الذي أرَّق جفون الأولياء وقض مضاجعهم..وبعدها عجزوا عن إكمال المسير؟!
ها أنا ذا…أقف في منتصف الطريق..وأظن أن حالي قد تخطَّى حالَ أهل الأعراف بأشواط..فالحرقة التي في قلبي كفيلة بأن ترفع بي إلى أعتاب حضرتك المقدسة…ألا تعتقد؟!
سيدي، أنرني…ماذا على العاشق أن يفعل لإرضاء معشوقه؟!

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑