Blog

~عن تلك البلاد

IMG_20180111_204902_528

~عن تلك البلاد~

أمّا كيفَ عرَجَ صاحِبنُا..فتلكَ روايةٌ أخرى..
وإن كنتَ تلمَسُ بإصبعِكَ شيئاً  من المجهول…فإنكَ لن تلمِسَ شيئاً مما جرى مع صاحبِنا، سوى بعضُ أقاويلِ القوم الذين عرفوه وما كانت بتلك المعرفة.

“يقولون” أنه في فجرِ ذلكَ اليوم هبَّت رائحةُ الياسمين من تلكَ البلاد..ترك معوله وشق طريقه إلى أول تلة قريبة..الرائحة بدأت بالإزدياد..
“هل تشمها؟! رائحة الياسمين..آتية من هناك” ….سأل صديقه وهو يملأ رئتيه منها.

عن أي رائحة تتحدث؟ فأنا لم أشم سوى رائحة الخذلان في الأعوام الماضية.” أجابه صديقه وهم يهمّ بوضع الزاد

أما هو فكانت المرة الأولى التي يعود بها الى منزله خالي الوفاض..لا شيء…
التقلب الكثير في الفراش جعله يستيقظ غير آبهٍ بما حوله…ترك رسالة لزوجته يقول فيها : لقد سمعت والدي يوما يقول..اذا عانقتك رائحة الياسمين من كل جانب… فلا تخف من إدراكها…

 قليل من كسراتِ الخبزِ البائت ولعله يعود الى أيام مضت كانت كل زاده للطريق…
إلى أين يذهب؟ وكيف؟؟ شدَّ يديه وأحكم قبضته على عصاً خيل إليه وكأنها عصا موسى تقوده إلى الطريق. هو لن يضرب بعصاه البحر، ولن يتخذ طريقه بين طود عظيم.. فهو يعلم جيداً أن ما اصطفاه الله لأنبياه عظيم.. وهو ليس بنبي!!  لذا سيكتفي باستقلال الحافلة التي اعترضت طريقه بعد يومٍ كاملٍ من عناء المسير.

إلى أين طريقك؟!..سأل سائق الحافلة.
لا وجهة محددة”..ردّ قائلاً.
-إذاً إركب معنا..نوصلك إلى الوجهة التي تبتغيها.

الحافلة كانت تعج بالركاب، بل كانت مزدحمة…
على يمينه امرأة حنّت يداها بكل ألوان الحياة..كانت  تضع على رأسها شالاً زهري اللون ذا تطريز مخملي يحفُّه من كلِ جانب….

الشَّاب الذي في المقدمة يعمل في المزرعة المحاذية لهم…أيضاً كان على متن الحافلة… وطبعاً العم صالح ذي الثمانين عاماً، لم يعرف الكثير عنه سوى أنه رجل ملك من الصفات ما يسمح له حمل إسمه (أي إسم على مسمى) والكثير الكثير غيرهم.

آه نسيت، صاحبنا يدعى“……..” أقول فالندع ذكر الأسماء إلى النهاية ودعونا نحافظ على بعض من الخصوصية، فصاحبنا لطالما تميز بها وتفنن في اتقانها.

لازال لا يعرف وجهته، ..ولا زالت رائحة الياسمين تعبق في أنفه…

“”أعذرني، ولكن الى أين طريق هذه الحافلة؟؟ سأل صاحبنا رجلٌ كان يبدو عليه هيئة المسؤول.

(( أوتسأل؟؟ إلى بلاد الزيتون طبعاً…)) أجابه المسؤول.

“بلاد الزيتون؟!…” سأل مستغرباً.

(( بلاد الزيتون..الياسمين….الملح…عدد ما شئت..كلها سواء..الأمر يتوقف على صاحب المسعى…))

 “صاحب المسعى؟! ماذا تقصد؟؟..”

((أتعني أنك لا تعرف مسعاك بعد؟!..
هل اعتقدت أن ركوبك لهذه الحافلة هو محضُ صدفة؟!! ردّ المسؤول ضاحكاً … ثم أكمل حديثه: لا يا صديقي..كنا بانتظارك..لطالما كنا كذلك..إسمع هذا..أخبره عن مسعاك يا محسن. ليتذوق طعم الملح من حديثك!..)) صرخ المسؤول لمحسن ألا وهو سائق الحافلة

كنت نائماً..” أجاب محسن…“استيقظتُ وأنا أتذوق طعم الملح في نومي..لا شي سوى رياحٌ تحمل معها ملح البحر .كدت أموت اختناقاً يا رجل..ملح..ملح أقول لك…”

((أسمعت ؟! لقد وجد محسنٌ مسعاه في ملح البحر القادم من تلك البلاد، لكل فرد منا مسعاه الخاص وعلى ما يبدو لقد وجدت مسعاك في رائحة الياسمين…، أترى ذلك الرجل الثمانيني هناك، لقد زرع في أحلامه ما يقارب الثمانين ألف شجرة، إلى أن أبصر نفسه ذات ليلة وهو يهدم جداراً ليزرع الزيتون بدلاً عنه .))

لقد وصلت الحافلة…
راقت له نجوم تلك الليلة…كانت مضيئة ويجللها بهاء غريب..كان النور يتسلل إلى قلبه فيعيد إحياء ما تبقى منه، وبالرغم من السور الشاهق الذي امتد من أول البلاد الى آخره..الا أنه أحس أنه لا يحدُّه شيء.
جلس صاحبنا يتأمل إلى أن باغته صوت المسؤول من الخلف:

((لقد ادَّعى سَلَفٌ من أولئك الذين عاشوا في تلك البلاد عن مكان خلف هذا الجدار…حيث بإمكانك أن تلمس الشمس…عن مكان أقرب ما تكون فيه إلى الله…هناك، حيث عَرج محمد ذات ليلة مقمرة إلى السماء السابعة…إلى حُجُبِ النور.)) ربّتَ المسؤول على كتف صاحبنا وأكمل قائلاً: (( لم يتمكن أحد من تسلق هذا السور من قبل..ولكننا سنفعل …))

كعادته، لم يغمض له جفن إلى أن أبصرَ أحد السُّعاة يركضُ ناحية السور..قام بتسلق الجدار مستعيناً بحبل كان يتدلى من الناحية الأخرى..وكأن الحبلَ كان بانتظاره!!

لحظات مرت إلى أن أدرك أن القوم يتعرضون للخيانة…

“كميييييين…..كمين..!! “

أرخى عاموَد الفجرِ صرخةَ صاحبِنا الذي سارع إلى إيقاظ الجميع، أما السَّاعي فمن شدة خوفه؛ أفلت الحبل حتى وقع إلى الناحية الأخرى من الجدار.

بدأت نيران العدو تسقط كالسيل العارم على رؤوس القوم..

((هذا مستحيل!!)) صَرَخَ المسؤول:
((من منكم أفشى سرنا؟!! من منكم سلَّم رؤوسنا وباع مسعاه إلى أولئك الغاصبين؟!))

لا مجال للانسحاب، كان الحبل لا يزال ممدوداً إلى الناحية الأخرى للسور، فما كان من القوم إلا أن بدأوا بالتسلّق..لحظات مرت وأصبح القوم بأكملهم داخل تلك البلاد وعلى مواجهة حاسمة مع العدو..كان صاحبنا يقاتل بكل ما أوتي من قوة، وأكثر ما استعان به كانت الحجارة التي غطّت معظم معالم الأرض. هذا ما رواه القوم الذين شهدوا بعد ذلك عملية اعتقاله من قبل العدو…

يقولون أنه في إحدى الليالي العابرة والخالية من رائحة الياسمين والزيتون العتيق، التصقت حبيبات مالحة من بحر تلك البلاد على جدران .زنزانة صاحبنا. ومن وراء القضبان، خُيِّل إليه أن محسن كان يقف في نهاية الممر، على مرأى منه.
همس محسن للشرطي بلغة غريبة..فما كان من الشرطي إلا أن أطلق سراح صاحبنا…
طوال الطريق لم ينبس صاحبنا ببنت شفة…ماذا يقول؟!
إلى أن:

“أنت من باع مسعاه في تلك الليلة يا محسن؟!”…صرخ بأعلى صوته..
أصمت، سيسمعونك…أتريد أن تحكم على كلانا بالإعدام؟!..أمسك محسن بعنق صاحبنا حتى جحُظَت عيناه…!!!! تسمّر الأخير في مكانه وهو يحاول التقاط أنفاسه..
“أنت لا تفهم…كان عليَّ أن أفعل ذلك…أنا لم  أتخلى عن مسعاي..إسمعني أرجوك!!! أكمل محسنٌ يقول.

غير أن صاحبنا رفض أن يستمع لكلام محسن ومجدداً، أكمل طريقه عجِباً في جنح الليل، ..إلى أن حثّه قلبه على ارتياد أحد المساجد الموجودة في  تلك البلاد.. هل يدخل؟!!! لا مجال للتفكير..

ببسم الله” دخل، ، وبدأ وصلَه بتكبيرة شوق لمعشوقه، “الله أكبر” ردَدّ بأعلى صوته، حتى وصلت إلى أقاصي تلك البلاد”

 رجل يصلي في المسجد الأقصى!!!!..” ، تعالت صفارات الإنذار” القادمة من الغاصبين

 أما هو، فلا فرق عنده، لم يشعر بالرصاصة التي اخترقت قلبه لأنه كان فائضاً برائحة الياسمين…تنهّد ومن ثم هوى ساجداً ليكمل صلاته …ويتمم مسعاه بعين الله

صاحبنا كان يدعى “فلسطين”… كمحمد في عروجه إلى الله…صاحبنا أو بالأحرى “فلسطين” لم يتخذ صفة الأنبياء ولكن الله اصطفاه مع ثلة من الأخيار الذين ما رأوا شيئاً إلا ورأوا الله فيه، قبله وبعده.

وقد أجمع القوم الذين ما عرفوه حق المعرفة على تسمية “تلك البلاد” باسمه~

 

Advertisements

العزيزة

~العزيزة

ضحكت!! ومن ثم ساد سكون غريب.. حملت إثره إبريق الشاي وسكبت لنفسها كوبا”واتجهت نحو الخارج!!
أذكر أنها كانت تقلِّب بين صفحات رواية الحرب والسلم. كنت قد أهديتها إياها منذ سنة تقريباً، ليتها تعلم أنني قد قايضت 3 كتب لقاء تلك الرواية!!

على أي حال، كان هواء تشرين يعبث بشعرها فيتطاير، حتى يكاد يغطي معظم ملامح وجهها، لكم وددت لو أنني أزيل تلك الخصل لأمسدها بروية.

“أنت وكوب الشاي هذا سيّان بالنسبة إلي..” قالت وهي تنفخ البخار المتصاعد منه.

– أرجو المعذرة؟! سألتها مستغرباً.

 “كلاكما تملآن قلبي بالدفئ. أعتقد أن هذا ما تود سماعه أليس كذلك؟!”..
– أتقصدين مقارنتي بكوب الشاي؟! مازحتها قائلاً.

“عليك أن تكون ممتناً، لقد مدحتك للتو..ثم إنك لن تقدر على مجاراتي..إن طلبت منك أن تبني لي بيتاً من دخان، فهل تفعل؟؟”

– ما تطلبينه مستحيل.. أجبتها.

“أترى..الأمر أنك واقعي لدرجة مثيرة للشفقة..قلت لك..لن تقدر على مجاراتي…”

كان كلامها يشق عباب قلبي كسكين حاد مؤلم..مؤلم إلى حد السعادة!!

– يا سيدتي العزيزة، رددتُ قائلاً:
“ربما يمكنك عند احتسائك للشاي المخمر والمعتق برائحة الأرستقراطية الفاخرة، أن تنظري جيداً حولك.
أنت أسيرة عالم قمت بصنعه وأغلقت جميع المداخل…
قد تشبهين الرواية التي بين يديك..ولكن في حربها فقط…وعلى ما يبدو إن الدخان الذي حولك دخان حرب أيضاً..
تريدين بيتاً من دخان؟! حبّذا ولكنه لن يقدر على حملنا نحن الإثنان..إن كنت تريدين بيتاً من دخان..عليك أن تشعلي النار أولاً.
إنني أخاف عليك من السقوط ذات يومٍ في الواقع الذي لا تنفكين عن لعنه والإستهزاء به!!
الشفقةُ كلَّ الشفقة…” ختمتُ حديثي..
السكون مجدداً…سكون غريب..عقِبَه نظراتٌ..يليه بكاءٌ..
لقد كسرتُه..كسرتُ قلبَ عزيزة..

لا بأس، غداً أعاود الكرة…غداً أعود وأعلن لها حبي مجدداً…وللمرة السادسة…ستضحك..وستعمد إلى مقارنتي بأمر آخر… غداً ستؤلمني العزيزة وسأكسر قلبها مرة أخرى..

..تلك العزيزة، لقد أرقت جفناي..

 

من قاسم؟!~

من قاسم؟!~

” أقول لك، لا أعرف شاباً يدعى قاسم…لقد أتيت إلى العنوان الخاطىء عزيزي”

سيد محسن، أنا على يقين بأنه العنوان الصحيح! أنا مرتضى، ألا تتذكرني؟!

“من مرتضى؟، لقد سبق وأخبرتك، فاطمة، تعالي وأنظري من في الباب”

“ما الذي يجري هنا، مرتضى!! كيف حالك… تفضل بالدخول..

“فاطمة، لم ينفك هذا الشاب يخبرني بأن قاسم قد استشهد!! وقد رحت أكرر له أنه لا يوجد أي قاسم هنا.

استشهد قاسم؟!! مرتضى أرجوك أخبرني أن ما تقوله ليس مؤكّداً”…

لقد كان مرتضى من الرفاق المقرّبين لأخي قاسم…

 ولبرهة واحدة، توقف الكون… صورة قاسم في عامه الخامس تبادرت إلى ذهني، الكل يتحملق حوله، كنت أراه يدور في كل أنحاء المنزل ، يجول به والدي بين الجموع وكأنه كان يباهي به ويقول “أنظروا، أنظروا إلى ولدي قاسم، وحيدي.”

“فاطمة، من قاسم؟!

:لم أجبه، كل ما كنت أفكر به

 أمام ناظري طفلٌ صغير، هذا ما كنت أراه.. ووددتُ أن أصرخَ بملء حنجرتي: ” استيقظ يا أبي، أرجوكَ أن تستيقظ…لم أعُد أستطيعُ التَّحمُل، هل يمكنكَ أن تمسكَ بيدي اليوم؟ فقط اليوم، وأعدكَ أنني لن أبكي، على الأقل ليس أمام المهنَئين بل سأتَّخذُ الليلَ سِتاراً لدموعي، سأحَضِّرُ لك الشَّاي ولكَ مني أن أتَّقِنَه ُهذه المَرَّة، وسيكون حتماً كقطعةٍ من الجَّنة، تماماً كما كانت تحضِّرُه أمي. استيقظ!

في اليوم التالي، توافد الجموع للتهنئة باستشهاد قاسم ، وكنت قد أصررت على أن أبقى بجانب والدي، ” عليك بوضع الشارة الصفراء حول عنقك يا أبي، أرجوك لا تنزعها.” قلت له.

أحدهم تقدّم وطبع قبلة على جبينه، وأخبره أن قاسم كان من خيرة الشباب وأنه قد سطر أروع البطولات ، ومن ثم تبعه عدد من رفاق الجهاد الذين آلوا إلا أن يسلّموا على والدي.

على مدى أسبوع بأكمله، كنت أسمع والدي وهو يتمتم اسم أخي قاسم أثناء نومه!! وعندما كنت أسأله عن الأمر في اليوم التالي…كان يجيب، مجدداً: “من قاسم؟!

“كيف وجدت الشاي يا أبي؟!”…سألته وكالعادة كنت أنتظر منه أن يبدي امتعاضه او أن يخبرني عن مدى ردائته وأنه لا يمت بأي صلة لقطعة الجنة التي تعدها والدتي وأقصد بها كوب الشاي..

“لا بأس به”…ردَّ قائلا”

“حسناً إذن، سأكون في الخارج

” استشهد قاسم أليس كذلك؟”…سأل بينما كنت أهمِّ بمغادرة الغرفة.

“أبي لقد تذكرت؛ ولكن كيف…

” لقد أبصرته في منامي، كم مضى على استشهاده؟!”

” ما يقارب الأسبوع…لقد حاولت أن أخبرك بشتى “الطرق

“خذيني إلى ضريحه”…

لا مجال للمماطلة…كان علي الإسراع واصطحابه إلى روضة الشهداء قبل أن ينسى الموضوع برمته…

لم يتطلب الأمر وقتاً طويلاً، لقد نسي والدي أخي قاسم قبل أن نقترب من محاذاة الضريح….

ربما هناك، في مكانٍ ما، لا يزال أخي قاسم يقبع في ذاكرة والدي، يشقّ طريقه بين الجموع مباشرة إلى حضنه. وسأراه هناك كما رأيته دائماً، يجول في أنحاء المنزل على كتف والدي، ليباهي به الكون بأكمله…

الرسالة الثانية

الرسالة الثانية –  الجمعة الأخيرة

الجمعة 23 من شهر حزيران 2017

رمضان 27 الموافق 1438 للهجرة

الناسُ نيامٌ يا صاحبي…

أما أنا فقد اعتراني الشَّوق للإطمئنان عن حالك وقد آليتُ إلا أن أتحدى النُّعاس الذي ألَمَّ بي..

لا تقلق!! لقد جئتك وحدي، على الأقل هذا ما أرجوه.

حملت باليد الأولى قنديلاً، أما الثانية  فقد افترشت على زندها مصلاةً وبعض الكتب التي ما اتسعت في راحتي.. ولأن الليلَ قد بدأ بالاضمحلال رويداً، خفت أن أفقِد توفيقي للأنس بك.

ساعةٌ على الجمعةِ الأخيرة، وها أنا في طريقي إليك، الوصول إلى حضرتك سفرٌ متعب، متعبٌ جداً أؤكّد لك، ولكنه لذيذٌ حتماً.

النار تلهبُ قلبي، يبدو أنني لست الوحيد الذي يتوقُ إلى وصلك في هذا الليل!! القناديلُ مشتعلة، الأصوات تملؤ الساحات، وصوتي لا يملؤ فضاء رحمتك!!

يؤلمني أنني قد تأخرت في الوصول إليك، يا سيدي أنا قد أخرتني بعدُ المسافة التي أحدثتها ذنوبي وخطاياي..ولكن أليس الراحل إليك قريب المسافة؟! فحريٌّ بالألم الذي في قلبي أن يختصر المسافة التي ….بيننا

سيدي، الشهر شهرك، والقضاء قضاءك، إقبلني ولا ~تخيب آمال عبدٍ طرقَ باب رحمتك يا كريم

حُلمُ أيَّار

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

وَقَفَت كعَادَتِها تمعِنُ النَّظَر إلى شمسِ أيّارَ الَتي استَقرَّت في سماءِ البلدَة.

 –  ذلكَ الحُلُم! تُرى ماذا يَعني؟! فَكَّرت في نفسِها..

هل تخبرُ الحاجَة فاطِمة؟ لمَ لا وهي التي درسَت سنوات في الحوزة العلميَّة،لذا فهي الأقدَر على مساعدَتها. لن تنتَظر ،ستذهب إليها الأَن.

–  هيّا يا “ليلى” قولي لي،مَا الذي حلُمتِه؟!

– حلُمتُ أني مستَلقيةً في بحيرةٍ صغيرةٍ،عذبة الميَاه،نقيَة،ومن ثمّ أخذَت المياه بالجَرَيان،إلاّ أنني لم أتحَرّك من مكاني! والوَرد…كانت السّماء تُمطر وَرداً يا حاجّة. ما الذي يعنيه ذلك يا تُرى؟

– إسمعي يا ابنتي…البُحيرة ونقَاوَتها هي دليلُ طُهرِكِ يا عزيزتي،أمّا جريان المياه وواقعُ أنك لم تتحركي،فدليلٌ على ثباتُك في هذه الدّنيا،وأما الورد فهي بادرةُ خيرٍ إن شاء الله.

في طريقِ العودة،كانت البَلدة تعجُّ بالأهالي ،الراياتُ الصّفراء كانت قد مَلأت الطُّرقات،وصَدى صوت الزّغردات كان يصدَحُ في كلّ مكان.

– سيّدي ما الّذي يَحصُل؟! سألت أحدَ المارّين باستِغرَاب.

– إفرَحي يا ابنتي،لقد انسَحب العدوّ منَ البلدة.

أحقّاً ما سمِعَته؟! العدو الصَّهيوني قد انسَحب؟

أسرَعت إلى المنزل،فتَحت التّلفاز وكانت المفَاجَأة! فرَّ العدُوّ الصهيوني من بلدةِ “خيَام” الجنوبيّة…ويتمُّ الأن إطلاق سرَاح المعتَقلين الأَسرى في مُعتَقل الخيام. أجواءٌ مشحُونَة..وحلمٌ يكادُ يكونُ خيَال!

“هوَ”…فكَّرت..إنتَظَرَتُه طويلاً،تُرى هل سيكون من النّاجين المحَرَّرين؟

لقد مَضى أكثر من 15 عاماً منذُ وقعَ في أسرِ العدو الإسرائيلي، بينما كان يُنفِّذ إحدى العمليَات التي كُلِّفَ بها.

كانت أخبَارُه تصلها بينَ الحينِ والأخر،تطمَئنُّ على صِحَّتِه،ولكن سُرعَان ما انقطَعت تلكَ الأخبار عنها. إلاّ أنها لم تفقِد الأمَل برجوعِه يوماً.

ذهبت إلى منزلِ والديه علَّها تعرفُ عنهُ شيئاً،فكان الأمر.

وسطَ الزّغاريد والهُتافات،وتحتَ وابلٍ من الأرُّز والوردِ الأحمر شقَّت طريقها بينَ الجُموع الغَفيرة.

ها هوَ هناك! أحسَّت وكأنَ روحَها قد لامَسَتِ السِّماء.ها هوَ بضِحكته المعهودَة،كما تعوّدت عليه دائماً.يقبّل والدَته ويحتَضِنُ أبَاه،يلتفِتُ يميناً وشِمالاً…”هي” تعرفُ عمَّن يبحَث..عنها.

–  “ليلى” إبنتي،إقتربي وسلّمي على خطيبك،نادَتها والدته.

رفَعَ رأسَهُ محيّياً إيَاها.

ما بِها لا تقتَرب؟! وهيَ الّتي انتَظَرته طويلاً دونَ مللٍ أو كلل،تحسبُ الأيّام،تسترقُ النَّظرَ من نافذةِ الغرفة علَّها تلمحُ طيفَه يمرُّ بها.

“هوَ” يعرفُ أنها لن تجرؤ على الإقتراب. لا يَزال يذكُر كيَف كانت تلك البَسمة الخَجولة والوجه الملائِكي يُبقيَانه متيَقّظاً من خلفِ القُضبان.

تقدّم خُطوة، فقابَلته بمِثلها…حتّى التَقيا.لامَس وجنَتها وهمَس لها: – أُفتّشُ عنكِ في الوجوهِ الغريبَة!

إبتسَمت،إحتَضَنتهُ…فكانَ حلُمَها،حُلمُ أيّار قد تحَقّق.

كل عامٍ وأنتم بخير~

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم.. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑