الفوز العظيم~

 

لَيلَةٌ عِندَ بَوابةِ فاطِمَة

كانت ليلة مليئة بالحكايا، ليلة لضحكات متجلجلة ملأت أنحاء المكان، ليلة شهدت نجومها على قلوب تآلفت وحملت ذكريات الطفولة بين ثناياها، ليلة للصحبة الطيبة، وليلة للوداع الأخير!

هناك عند حدود “بوابة فاطمة” من قرية “كفركلا” الجنوبية،اجتمعنا نحن الأربعة،مهدي،قاسم،يعقوب وأنا.

كنا قد أضرمنا نار المخيّم لاتقاء برد الجنوب القارس.لطالما تكفل “مهدي” بهذه المهمة،فقد كان يجد متعة في مزاولة أعماله الكشفية أمامنا.بدءاً من إشعال النار،إلى نصب الخيم،إلى تحضير الطعام والألعاب المسلية.

“هل انتهيت من تحضير المعكرونة يا مهدي؟ إن الرفاق قد جاعوا وأخشى أن يقوم قاسم بالتهامنا إن تأخرت!”

قال “يعقوب” ضاحكاً وهو يربّت على بطن “قاسم” الذي بدت علامات الإمتعاض على وجهه.

“أترك “قاسم” وشأنه يا “يعقوب”،مالك وماله. ألا ترى أنه قد فقد بعض الوزن منذ أن قام بالارتباط؟!..أنظر إليه،يبدو أنه مشتاق!”

ردّ “مهدي” ممازحاً.

“أخانا قد أصبح عاشقاً(ومن شيم العاشق اللحاق بالمعشوق)” انضممت أنا إلى الحلف.

“أنت أيضاً يا مصطفى!!ما عهدتك تتحالف معهما ضدي. ثم إنكم تتحدثون وكأنكم لم تعرفوا العشق يوماً. قال قاسم وهو يملأ كوباً من الماء.

أجابه يعقوب بصوت خافت: “نحن عشاق من نوع آخر يا صديقي،لا مكان في هذا القلب سوى لمعشوق واحد”

ساد الصمت،وأخذ كل واحدٍ منا ينظر إلى الأخر. انسحب “يعقوب” إلى الصلاة بعد أن علا نداء الله عند الغروب. اتخذ بقعة بعيدة عنا،وانفرد بمعشوقه يناجيه.

كان صوت بكائه يصل إلى مسامعنا.

كسر “مهدي” السكون قائلاً :”حسناً،ربما تودون أن تتذوقوا وجبة من المعكرونة الساخنة ريثما ينتهي صاحبنا من مناجاته.”

بدأ يسكب المعكرونة لكل منا،فحملت صحناً لآخذه إلى “يعقوب”. إلا أن “مهدي” أوقفني وقال: “دعه يا مصطفى،يحتاج للانفراد قليلاً. هناك غاية في نفسه،ولن يهدأ قبل أن ينالها!”

عندما عاد “يعقوب”،كانت تعلو السكينة وجهه وتزين ثغره ابتسامة خفيفة.

“أترى في الخلد سراً يضيء تلك الإبتسامة؟!” فكّرت في نفسي.

استهلّ مهدي الحديث: “أتذكرون عندما قام مصطفى بسرقة حذاء قاسم من أمام باب المسجد؟ عندما انتهى الأخير من الصلاة لم يتمكن من إيجاده…بقي يفتش عنه قرابة النصف ساعة.”

انفجر “يعقوب” من الضّحك. وكأننا كنا نترقّب ردة فعله هذه،مما دفعنا جميعاً إلى أن نضحك،حتى “قاسم” نفسه.

“المسكين اضطر إلى العودة حافي القدمين من مسجد البلدة إلى المنزل.” قال يعقوب.

علت أصوات ضحكاتنا سماء الجنوب،وخُيِّلَ إلينا في تلك الليلة أنه لا أحد على وجه هذه الأرض سوانا.

“هل لديك أية أخبار عن الشهيد “باقر” يا “مصطفى”؟!” سألني قاسم.

أجبته: “لا شيء حتى الأن،لم يجدوا جثمانه بعد. من المرجح أن يكون قد أسر.”

“أكره أن أكون مكان عائلة الشهيد في هذه اللحظة.”أضاف مهدي.

“إنهم أناس مؤمنون…ثم إن الشهادة فوز عظيم،وأعتقد أن الله قد منَّ عليهم أن اختار من بينهم شهيداً. هم السابقون ونحن اللاحقون بإذن الله.” قال “يعقوب”.

“فلتقصص علينا إحدى قصصك أيها العاشق..” علَّق قاسم ممازحاً وقد أنهى صحنه الثالث من المعكرونة!!

“لك ذلك يا روميو.”أجابه يعقوب…”فلتسمعوا جيداً.”

“كانت العملية تفترض أن يقوم الشباب باقتحام أحد مواقع العدو الإسرائيلي في قرية “رب ثلاثين”..توجه الإخوة في فجر ذلك اليوم والشهادة نصب أعينهم .كانت حدود الموقع مليئة بالجنود الصهاينة،إضافة إلى العملاء التابعين لجيش لَحد…السَّاعَة قارَبَت الخامِسَةَ فَجراً،وكانَ لا بدَّ من تَنفيذ العَمليَّة تَحتَ جُنحِ الظَّلَام. أحد الإخوة تمكن من التَّسلل والوقوف على مقربةٍ من الموقِع ،وبنداء “يا صاحب الزمان” صوّب قاذفة B7 نحو الموقع ففجره.مما أتاح للإخوة الدُّخول…”

قاطعه مهدي:”يا زهراء! كيف استطاع التسلل وسط هذا الكم من الأعداء؟!”

“مهدي فلتدعه يكمل…”قال قاسم.

“علت أصوات الجنود الصهاينة من بين نيران الموقع،والقليل منهم من إستطاع أن ينجو..مما أدى إلى إشتباك بين الأخوة المجاهدين والعدو الإسرائيلي..أما عملاء جيش لحد فقد فروا إلى خارج منطقة الاشتباك…لقد تكبَّدَ العدو الإسرائيلي في ذلك اليوم خسائر لا توصف،من آليات وراجمات احترقت جراء النيران…”

“وماذا حل بصاحبنا؟!…أقصدُ المجاهد الذي قام بتفجير الموقع؟” سألتُهُ بفضول.

“كان من بين الشهداء الذين قضوا في ذلك اليوم،وبفضل دمائهم استطاع الإخوة أسر عدد من جنود العدو وتحرير الموقع…”

أخرج مهدي الكاميرا والتقط صورة لنا جميعاً…لطالما لفتتني ابتسامة “يعقوب” في تلك الصورة.

“لنحرص على تخليد هذه الليلة.”  قال مهدي ضاحكاً.

بعض الطيور لا يمكن احتجازها،لأن ألوانها كألوان الطيف،وقدرها أن تكون حرة.

ونحن الذين كنا نستمع وكلنا آذان صاغية لقصة استشهاد حبيبنا،ولم ندرِ أن طائراً من بيننا قد حان موعد رحيله!

لقد علمنا لاحقاً أن يعقوب كان يتحدث عن نفسه في تلك الليلة. ذاك المقاوم الباسل في قصته كان هو! وكأنه كان يعلم متى سيستشهد وكيف سيستشهد.

مضى صديقنا في ركب الشهداء أثناء جهاده في حرب تموز من العام 2006 أي بعد أسبوع من تلك الليلة. وقد عثر على جثمانه الطاهر،وفي جيبه الصورة التي جمعتنا سوياً،إضافة إلى ورقة خطّ عليها }يا صاحب الزمان{ كان يحملها بيده…

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم.. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: